حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

218

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [ الضحى : 11 ] فكأنهم قالوا ما سألناك للقدح في حكمتك يا رب فإنا نعترف لك بالإلهية والحكمة ، بل لطلب وجه الحكمة . وعن الاعتذار ، إنه لم يكن للذنب بل لأن ترك السؤال كان أولى . وروي عن الحسن وقتادة أن اللّه تعالى لما أخذ في خلق آدم همست الملائكة فيما بينهم وقالوا : ليخلق ربنا ما شاء أن يخلق ، فلن يخلق خلقا إلا كنا خلقا أعظم منه وأكرم عليه ، فلما خلق آدم عليه السلام وفضله عليهم وعلمه الأسماء كلها قال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين في أنه لا يخلق خلقا إلا وأنتم أفضل منه ، ففزعوا إلى التوبة وقالوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا ثم إن العلماء ذكروا في إخبار الملائكة عن الفساد والسفك وجوها منها : أنهم قالوا ذلك ظنا إما لأنهم قاسوهم على حال الجن الذين كانوا قبل آدم عليه السلام في الأرض وهو مروي عن ابن عباس والكلبي ، وإما لأنهم عرفوا خلقته وعلموا أنه مركب من الأركان المتخالفة والأخلاط المتنافية الموجبة للشهوة التي منها الفساد وللغضب الذي منه سفك الدماء . ومنها أنهم قالوا ذلك عن اليقين ، ويروى عن ابن مسعود وناس من الصحابة ، وذلك أنه تعالى لما قال للملائكة : إني جاعل في الأرض خليفة ، قالوا : ربنا وما يكون الخليفة ؟ قال يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا . فعند ذلك قالوا : ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟ أو أنه تعالى كان قد أعلم الملائكة أنه إذا كان في الأرض خلق عظيم أفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، أو لأنه لما كتب القلم في اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة فلعلهم طالعوا اللوح فعرفوا ذلك ، أو لأن معنى الخليفة إذا كان النائب للّه في الحكم والقضاء والاحتياج إلى الحاكم إنما يكون عند التنازع والتظالم ، كان الإخبار عن وجود الخليفة إخبارا عن وقوع الفساد والشر بطريق الالتزام وقيل : لما خلق اللّه النار خافت الملائكة خوفا شديدا فقالوا : لم خلقت هذه النار ؟ قال : لمن عصاني من خلقي . ولم يكن يومئذ للّه خلق إلا الملائكة ، ولم يكن في الأرض خلق البتة . فلما قال : إني جاعل في الأرض خليفة ، عرفوا أن المعصية منهم تظهر . وأما قصة إبليس وهاروت وماروت فسيجيء الكلام فيها . واختلف الناس في أن الملائكة لهم قدرة على المعاصي والشرور أم لا . فالفلاسفة وكثير من أهل الجبر قالوا : إنهم خير محض ولا قدرة لهم على الشر . والمعتزلة أثبتوا لهم قدرة على الأمرين ، لأن قولهم أَ تَجْعَلُ إما معصية أو ترك الأولى ، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل ، وأيضا قال تعالى وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ [ الأنبياء : 29 ] وهذا يقتضي كونهم مزجورين . وقال لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ